جان لوئيس بوركهارت

182

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

أهل بربر فإذا صحّ هذا فإن آثارها هنا ليست وبيلة كآثارها في مصر ، لأننى لم أر بينهم ما رأيت في شمال وادى النيل من وجوه مقروحة وأنوف شائهة . وعرب الميرفاب رعاة زراع ، إذا انحسر الفيضان زرعوا الأرض ذرة وقليلا من الشعير . وقبل أن يزرعوها يعزقونها بالفئوس ، أما المحراث فلا يستعملونه ، وقد استعمل مصرى محراثا للمرة الأولى في العام الماضي . وسواقيهم تعدّ على الأصابع ، فليس في قريتى النخيرة والحصا أكثر من أربع أو خمس منها . ويزرعون الأرض مرة في السنة ، ولا يغمر ماء الفيضان الكثير من الأرض الزراعية لأن ضفاف النيل تصل إلى ارتفاع كبير يجاوز ارتفاعها في مصر على العموم ، ولا يعوض القوم في الغالب هنا العجز بالري الصناعي كما يفعل أهل مصر حتى يأخذوا من الأرض عدة محاصيل ، ومن هذا يسهل على القارئ أن يدرك السر في كثرة تعرضهم للقحط ، فقد بلغ سعر مدّ الذرة في العام السابق لرحلتى نصف ريال إسبانى . على أنه يلوح أن البلاد كانت إلى عهد غير بعيد أزهى حضارة منها اليوم ، فقد تبينت في الحقول آثار ترع عميقة تركت مهملة مع أنه قد يستعان بها حتى في زرع السهل الصحراوى المجاور للأرض الزراعية . وأهم المحاصيل الذرة ، وهي قوام غذاء الناس والبهائم ، أما القمح فلا يزرع في بربر ، وقليل منه يزرع فيما جاورها من بلاد . والذرة هنا من فصيلة الذرة الصعيدية ، ولكن سيقانها أطول وأقوى ، وقد تعلو ست عشرة قدما أو عشرين . أما الخضر فلا يزرعون منها سوى البصل واللوبيا والبامية « * » والملوخية ، وكلها معروف في مصر . وهم لا يزرعون من الفاكهة شيئا ، والنبق البرى هو الفاكهة الوحيدة التي يعرفونها فيما رووه لي . ويربى أهل بربر الماشية الكثيرة من خير الفصائل ، وينتجعون بها الكلا الذي ينمو في جبال البشاريين شتاء وربيعا عقب هطول المطر ، وهناك يعيش رعاتها في أكواخ وخيام كالبدو سواء بسواء . وفي أخريات الربيع تأكل الماشية الأعشاب البرية التي تنمو بين أعقاب الذرة غزيرة كأنها الحشيش في المروج .

--> ( * ) واسمها الويكه في هذه البلاد كلها .